تعمل الصين خلال السنوات الأخيرة على إعادة رسم خريطة استثماراتها في جنوب مصر عبر حزمة مشروعات ضخمة تتوزع بين التصنيع والزراعة الحديثة بإجمالي استثمارات متوقعة تصل إلى نحو 17 مليار دولار في ما يمكن وصفه بأكبر تدخل اقتصادي صيني متكامل في الصعيد والوادي الجديد حتى الآن.
هذه الاستثمارات لا تتركز في مشروع واحد بل تنقسم بوضوح إلى مسارين متوازيين ومتكاملين الأول مشروع صناعي تعديني عملاق في وادي النيل ومشروع زراعي واسع النطاق في الصحراء الغربية لكل منهما طبيعته وأهدافه وجدوله الزمني لكنهما يلتقيان في النهاية عند هدف واحد هو بناء سلسلة قيمة متكاملة للإنتاج الغذائي والأسمدة.
مجمع أسمدة فوسفاتية باستثمارات تصل إلى 10 مليارات دولار
المسار الأول يتمثل في مشروع صناعي ضخم تقوده شركة Asia-Potash الصينية وهي شركة كبرى مقرها مدينة قوانغتشو ومتخصصة في تعدين الفوسفات والبوتاس وصناعة الأسمدة.
تصل إجمالي الاستثمارات المتوقعة لكامل مراحل المشروع على المدى الطويل نحو 10 مليارات دولار وتقدر استثمارات المرحلة الأولى وحدها بنحو 1.6 مليار دولار.
من إسنا إلى السباعية
المشروع لا يقتصر على مصنع واحد بل هو مجمع صناعي متكامل للأسمدة الفوسفاتية يمتد جغرافيًا عبر نطاق واسع في صعيد مصر من غرب مدينة إسنا بمحافظة الأقصر وحتى منطقة السباعية بمحافظة أسوان وهي من أكثر المناطق المصرية ثراءً بخام الفوسفات.
الهدف الأساسي من هذا المشروع هو كسر نمط تصدير الفوسفات الخام منخفض القيمة واستبداله بتصنيع محلي متكامل للأسمدة الفوسفاتية والمركبة بما يضاعف القيمة المضافة ويحوّل مصر من مجرد مُصدّر خام إلى لاعب صناعي في سوق الأسمدة العالمي وتشمل الخطة استخراج نحو مليوني طن فوسفات سنويًا في المرحلة الأولى وتحويلها إلى منتجات نهائية مخصصة بالكامل للتصدير.
ومن المخطط أن يتم تصدير إنتاج المجمع عبر ميناء سفاجا على البحر الأحمر بما يربط المشروع مباشرة بسلاسل التوريد العالمية كما تتضمن الخطة استخدام تكنولوجيات حديثة لإنتاج ما يُعرف بالأسمدة “الخضراء” مع الاعتماد جزئيًا على مشروعات الأمونيا الخضراء والطاقة النظيفة المتنامية في مصر.
مصر ضمن كبار مالكي الفوسفات عالميًا
لا يأتي التوسع الصيني في صناعة الأسمدة الفوسفاتية في صعيد مصر من فراغ إذ تُعد مصر واحدة من أكبر الدول المالكة لخام الفوسفات على مستوى العالم بل تمتلك مصر ما يقارب من نفس حجم ما تمتلكه الصين من الفوسفات.
حيث تحتل مصر المرتبة الثالثة عالميًا من حيث امتلاك احتياطيات الفوسفات بإجمالي يُقدَّر بنحو 2.8 مليار طن بعد المغرب في الصدارة والصين في المركز الثاني متقدمة على دول صناعية وزراعية كبرى مثل روسيا والبرازيل.
وتتركز هذه الاحتياطيات الضخمة في ثلاث مناطق رئيسية تشمل هضبة أبو طرطور في الوادي الجديد باعتبارها المخزون الاستراتيجي الأكبر ومناطق وادي النيل بين إدفو وقنا إلى جانب امتدادات ساحل البحر الأحمر في سفاجا والقصير.
ويمثل هذا العامل أحد الأسباب الرئيسية وراء اندفاع شركات دولية كبرى، وعلى رأسها Asia-Potash الصينية للاستثمار في إنشاء مجمعات صناعية متكاملة داخل مصر تستهدف تحويل خام الفوسفات إلى أسمدة فوسفاتية ومركبة عالية القيمة بدلًا من تصديره كمواد خام منخفضة السعر بما يعظم العائد الاقتصادي ويعيد تموضع مصر كلاعب رئيسي في سلاسل إمداد الغذاء العالمية.
استصلاح مليون فدان في الوادي الجديد باستثمارات 7 مليارات دولار
المسار الثاني هو مشروع زراعي مستقل مخطط تنفيذه في محافظة الوادي الجديد باعتبارها الظهير الصحراوي للصعيد وباستثمارات إجمالية متوقعة تصل إلى نحو 7 مليارات دولار.
المشروع يستهدف استصلاح وزراعة مليون فدان على مراحل طويلة قد تمتد من 5 إلى 7 سنوات المرحلة الأولى تبدأ بشكل تجريبي ثم تتوسع إلى نطاق أكثر جدية تراوح مساحته بين 30 و50 ألف فدان بهدف اختبار نجاح المحاصيل وكفاءة أنظمة الري وقدرة المياه الجوفية على الاستدامة قبل الانتقال إلى التوسع الكامل.
الاعتماد الأساسي في هذا المشروع هو على المياه الجوفية من خزان الحجر الرملي النوبي وهو ما دفع الجانب الصيني إلى إدخال تكنولوجيا زراعية متقدمة تُعرف بالزراعة الجافة تشمل تقاوي مهجنة تتحمل الجفاف وملوحة التربة وأنظمة ري ذكية تعمل بالطاقة الشمسية لتقليل استهلاك المياه إلى الحد الأدنى خاصة في المناطق البعيدة عن الشبكة الكهربائية.
ويركز المشروع على مناطق الفرافرة والداخلة وامتدادات شرق العوينات ويستهدف زراعة محاصيل استراتيجية تمثل عبئًا كبيرًا على فاتورة الاستيراد المصرية مثل القمح والذرة وفول الصويا إلى جانب محاصيل تصديرية عالية القيمة كالنباتات الطبية والعطرية كما يتضمن المشروع تعاونًا لإنتاج تقاوي محسنة محليًا، بدلًا من استيرادها.
التصنيع الزراعي.. الحلقة المكملة
ما يميز المشروع الزراعي أنه لا يقتصر على الزراعة فقط بل يتضمن إنشاء مجمعات تصنيع زراعي بالقرب من الأراضي المستصلحة وتشمل هذه المجمعات مصانع لاستخلاص الزيوت من فول الصويا ودوار الشمس وصوامع حديثة لتخزين القمح بما يقلل فاقد النقل ويعزز القيمة المضافة داخل مناطق الإنتاج نفسها.
هذا التوجه يستهدف تقليص اعتماد مصر على استيراد الزيوت التي تصل نسبتها حاليًا إلى نحو 98% من الاستهلاك المحلي فضلًا عن دعم منظومة الأمن الغذائي بشكل مباشر.
تكامل صيني مدروس في جنوب مصر
عند النظر إلى المشروعين معًا تتضح ملامح استراتيجية صينية قائمة على التكامل الاقتصادي فمشروع الأسمدة الفوسفاتية في وادي النيل يوفر مدخلات الإنتاج الزراعي بينما يستوعب مشروع الاستصلاح في الوادي الجديد هذه المدخلات ضمن منظومة إنتاج غذائي واسعة يتم توجيه جزء منها للتصدير وجزء للسوق المحلي.
بهذا المعنى لا نتحدث عن 17 مليار دولار في الزراعة فقط ولا عن صناعة منفصلة بل عن دائرة اقتصادية شبه مكتملة تبدأ من استخراج الخام مرورًا بالتصنيع وصولًا إلى الزراعة والتصنيع الزراعي والتصدير.
أين تقف الأمور في 2026؟
ما زالت المشروعات في مرحلة التخطيط ويظل نجاح مصر على تحويلها من مجرد دراسات إلى أمر واقع مرهونًا بقدرة الجانب المصري على
على ضمان نقل التكنولوجيا وتعظيم المحتوى المحلي وإدارة الموارد المائية بحذر شديد حتى تتحول هذه الاستثمارات إلى رافعة تنموية حقيقية للصعيد لا مجرد مشروعات ضخمة على الورق.
ايكوسودان نت التنمية مستقبلنا