د. محمد سعد علي بيومي
خبير ارشاد زراعي
ظل القطن لعقود طويلة أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، ليس فقط كمحصول نقدي، بل كركيزة لمنظومة صناعية متكاملة امتدت من الحقول إلى المحالج والمصانع وأسواق التصدير. وقد ارتبط اسمه تاريخيًا بقيام مشروع الجزيرة، الذي شكّل نموذجًا تنمويًا فريدًا في المنطقة.
اليوم، يمر قطاع القطن بمرحلة دقيقة تتطلب قراءة هادئة ومسؤولة، بعيدًا عن ردود الأفعال، وقريبة من منطق الدولة التي تخطط للمستقبل.
أولاً: التحديات الراهنة
شهدت السنوات الماضية تحولات كبيرة في بنية إنتاج القطن، من حيث:
– تغير الأصناف المزروعة
– تقلص المساحات في بعض المواسم
– تأثر البنية التحتية الزراعية والصناعية بالأوضاع العامة
– تحديات في التمويل والتسويق
– فجوات في إنتاج التقاوي محليًا
كما أن الأحداث التي مرت بها البلاد أثرت على المؤسسات البحثية وسلاسل الإمداد، مما أظهر أهمية بناء أنظمة أكثر مرونة واستقلالًا.
هذه التحديات ليست نهاية الطريق، لكنها إشارات واضحة إلى ضرورة إعادة تنظيم القطاع على أسس استراتيجية حديثة.
ثانيًا: التقاوي كقضية سيادية وتنموية
التقاوي ليست مجرد مدخل إنتاج، بل هي أصل استراتيجي.
والدول التي تملك القدرة على إنتاج تقاويها، تمتلك جزءًا مهمًا من سيادتها الزراعية.
خلال السنوات الماضية، تم إدخال أصناف حديثة ساهمت في رفع الإنتاجية في بعض البيئات، وهو تطور تقني مهم. غير أن المرحلة الحالية تفرض علينا أن ننتقل من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة التمكين المحلي، عبر:
– تعزيز قدرات إنتاج التقاوي وطنيًا
– حماية الأصول الوراثية للأصناف السودانية
– بناء نظام وطني متكامل للاعتماد والرقابة
الهدف ليس رفض التكنولوجيا، بل توطينها.
ثالثًا: سد الفجوة بين البحث والحقل
يمتلك السودان تاريخًا علميًا عريقًا في بحوث القطن، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب:
– ربطًا مباشرًا بين الباحث والمزارع
– دعمًا مستدامًا للإرشاد الزراعي
– تحويل نتائج البحوث إلى حزم تقنية تطبيقية
– تمويلًا وطنيًا مستقرًا للبحث والإكثار.
إن تجسير الفجوة بين المختبر والمزرعة هو المفتاح الحقيقي لرفع الإنتاجية وتحسين الجودة.
رابعًا: استعادة الميزة التنافسية للقطن السوداني
عرف السودان عالميًا بأقطانه طويلة التيلة ذات الجودة العالية.
واليوم، يمكن الجمع بين:
– رفع الإنتاجية
– تحسين الجودة
– تطوير سلسلة القيمة
– تحديث المحالج والتصنيع
بما يعيد للقطن السوداني مكانته في الأسواق العالمية.
المعادلة ليست بين الجودة والإنتاجية، بل في تحقيقهما معًا.
خامسًا: رؤية إصلاحية للمستقبل
المرحلة القادمة تتطلب رؤية وطنية شاملة تقوم على:
– استراتيجية قومية للقطن تمتد لعشر سنوات
– شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمزارعين
– تحديث الإرشاد الزراعي رقميًا وميدانيًا
– إعادة تأهيل البنية التحتية للبحوث والإكثار
– بناء نظام تسويقي شفاف ومحفّز للمزارعين.
الدرس الذي يجب أن نستفيد منه
الأزمات تكشف نقاط الضعف، لكنها أيضًا تفتح أبواب الإصلاح.
ما نحتاجه اليوم ليس العودة إلى الماضي، بل بناء نموذج أكثر قوة واستدامة.
نموذج يعتمد على:
– المعرفة الوطنية
– تنويع الشراكات
– حماية الأصول الوراثية
رسالة إلى كل الفاعلين في القطاع
القطن ليس محصولًا عاديًا.
هو صناعة، وهو فرص عمل، وهو مورد نقد أجنبي، وهو جزء من هوية السودان الزراعية.
والمسؤولية اليوم جماعية:
سياسات رشيدة، إدارة مؤسسية، بحث علمي قوي، وإرشاد فعال.
إذا أحسنّا التخطيط، يمكن أن يتحول التحدي إلى نقطة انطلاق جديدة.
وإذا تعلمنا من التجربة، سنبني قطاعًا أكثر استقلالًا وقدرة على المنافسة.
المستقبل لا يُنتظر… بل يُصنع.
ايكوسودان نت التنمية مستقبلنا