لا شك أن السودان يمتلك إمكانات زراعية ومائية هائلة تؤهله لأن يكون أحد الأعمدة الرئيسية للأمن الغذائي العالمي، إلا أنه ما زال، حتى اليوم، خارج دائرة الفعل الحقيقي في هذه المعادلة المصيرية. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من أزمات غذائية متفاقمة تهدد ملايين البشر حول العالم، في ظل التغيرات المناخية، والنزاعات، واضطراب سلاسل الإمداد.
ويُجمع خبراء الزراعة والاقتصاد على أن السودان يُعد من أكثر دول العالم تأهيلًا للاضطلاع بدور سلة غذاء العالم، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، لما يملكه من أراضٍ زراعية شاسعة وخصبة، وتنوع مناخي نادر، وموارد مائية ضخمة، إضافة إلى ثروة حيوانية تُعد الأكبر في القارة الإفريقية.
إمكانات ضخمة غير مستغلة
تُقدَّر الأراضي الصالحة للزراعة في السودان بعشرات الملايين من الأفدنة، لم يُستغل منها سوى جزء محدود، في حين تعتمد غالبية المساحات المزروعة على أساليب تقليدية منخفضة الإنتاجية. ويضاف إلى ذلك امتلاك السودان لموارد مائية استراتيجية، في مقدمتها نهر النيل والمياه الجوفية، التي تمثل قاعدة صلبة لأي نهضة زراعية مستدامة.
ورغم هذه المقومات الاستثنائية، يعاني القطاع الزراعي من ضعف البنية التحتية، وغياب الصناعات التحويلية الزراعية، ونقص الاستثمارات النوعية، مما أدى إلى استمرار تصدير المواد الخام بدلًا من المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، وهو ما يحرم البلاد من عوائد اقتصادية كبيرة، ويؤثر سلبًا على الاستقرار الاقتصادي والسيادة الوطنية.
إدراك دولي بلا شراكات حقيقية
تشير تقارير صادرة عن منظمات دولية إلى إدراك واضح لقدرات السودان الزراعية ودوره المحتمل في تحقيق الاستقرار الغذائي العالمي، إلا أن هذا الإدراك لم يُترجم إلى شراكات استراتيجية أو استثمارات طويلة الأمد. ويُعزى ذلك إلى عوامل سياسية وأمنية، وتخوف المستثمرين من عدم الاستقرار، فضلًا عن تضارب المصالح الدولية في ملف الأمن الغذائي.
غير أن هذا الواقع يفرض على السودان، دولةً وشعبًا، قدرًا أكبر من الوعي بأهمية موارده، وضرورة حمايتها وتطويرها، بدل انتظار مبادرات خارجية قد لا تأتي، أو قد تُفرض بشروط لا تخدم المصلحة الوطنية.
الزراعة… قضية سيادة وطنية
إن النهوض بالقطاع الزراعي في السودان لا يُعد مجرد مسألة تنموية أو اقتصادية، بل هو قضية سيادة وطنية واستقلال استراتيجي. فامتلاك قوة غذائية حقيقية يمنح الدول نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا، ويجعلها لاعبًا فاعلًا في الساحة الدولية، وقادرًا على فرض شراكات قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الدور المحوري للدولة في توفير مدخلات الإنتاج، ووضع سياسات زراعية مدروسة بعناية، والتخطيط السليم للمواسم الزراعية، إلى جانب الاستثمار في الإنسان، والتقنية، وتحديث البنية التحتية، وتوطين الصناعات الزراعية التحويلية.
فرصة تاريخية رغم التحديات
ورغم التحديات الراهنة، تظل الفرصة قائمة. فالسودان ما زال يمتلك إمكانية حقيقية للتحول إلى مركز إقليمي للإنتاج الغذائي، متى ما تحقق الحد الأدنى من الاستقرار، وتبنت الدولة سياسات زراعية مستدامة، وربطت الإنتاج بالتصنيع والتصدير، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
وفي ظل ما تشير إليه تقارير الخبراء من اتجاه العالم نحو أزمات غذائية متزايدة، فإن السودان يمكن أن يكون جزءًا أساسيًا من الحل، لا طرفًا متأثرًا فقط. فإمكاناته الهائلة قادرة على وضعه في مقدمة الدول المؤثرة في معادلة الأمن الغذائي العالمي، لينتقل من سلة غذاء محتملة إلى قوة غذائية فاعلة تخدم شعبه وتسهم في استقرار العالم.
وعندها سيدرك المجتمع الدولي أن دعم استقرار السودان، والاستثمار الجاد والصادق في قطاعه الزراعي، بعيدًا عن الأطماع والضغوط السياسية، ليس مجرد مساعدة إنسانية، بل هو استثمار استراتيجي في أمن العالم الغذائي واستقراره.
ايكوسودان نت التنمية مستقبلنا