الفيديو المتداول هذه الأيام لا يعرض مجرد مناظر عابرة، بل يعرّي جريمة مكتملة الأركان ضد غابة السنط في المقرن نرى الأشجار تُباد، الأخضر يتحول إلى فراغ، وكأن الأرض بلا ذاكرة ولا أصحاب.
غابة السنط ليست “أحراشًا على النيل”؛ إنها جزء من قلب الخرطوم وهويتها. زُرعت قبل أكثر من مئة عام، ، ثم تحولت إلى مدرسة مفتوحة خرّجت أجيال الغابيين الذين زرعوا وحموا غابات السودان.
بيئيًا، هذه الغابة هي رئة العاصمة: تخفف الغبار، تكسر حرارة الصيف، تمتص جزءًا مهمًا من الملوثات، وتنعش الهواء الذي نتنفسه. كما تؤوي عشرات الأنواع من الطيور المقيمة والمهاجرة، وتحمي ضفاف النيل من الانهيار، وتوفر مكانًا طبيعيًا نادرًا للراحة والسياحة الداخلية.
الحرب فتحت الباب للفوضى: قطع جائر، تجريف بالتراكتورات، تحويل الأشجار إلى حطب وفحم، وكأن النيل والناس لا حق لهم في الظل والهواء النظيف ما يحدث ليس “رزقًا حلالاً” كما يدّعي البعض، بل اعتداء على ملك عام، وعلى حق أجيال كاملة في بيئة سليمة.
إنقاذ غابة السنط واجب دولة وواجب مجتمع في آن واحد. نحتاج قرارًا عاجلًا بإيقاف أي قطع أو تجريف،. نحتاج حراسة منظمة، وتفعيلًا صارمًا للقانون ضد كل من يشارك في هذا التدمير أو يغض الطرف عنه.
المطلوب الآن تحرّك منظم تقوده الهيئة القومية للغابات بصفتها الجهة المسؤولة أولًا وأخيرًا عن زراعة وحماية غابات السودان، مع إشراك بقية الأذرع المساندة. تضع الهيئة خطة طوارئ واضحة لإيقاف التعديات وإعادة تأهيل غابة السنط وكل الغابات الأخرى التي دمرت، وتنسّق فيها مع الجامعات ومنظمات البيئة والجهات المعنية الأخرى. تشارك الجامعات بالبحث والرصد الفني، وتضطلع منظمات المجتمع المدني بالتوعية والضغط والحشد، ويُسهم القطاع الخاص الجاد بدعم مالي ولوجستي شفاف. ويمكن للمواطن العادي أن يكون خط الدفاع الأول: بالتبليغ عن أي قطع أو تهريب، ومقاطعة الفحم والحطب القادم من غابة السنط، والمشاركة في حملات التشجير والحماية. بهذه الصورة تتحول الغابة من ضحية مفجوعة إلى مشروع وطني يحرسه القانون وتسانده إرادة الناس..
هذا الفيديو ليس فقط صرخة ناشط، بل وثيقة اتهام أمام ضميرنا جميعًا. اليوم تُقطع الأشجار في صمت، وغدًا نسأل لماذا اختنقت المدينة واشتدت العواصف الترابية وغابت الطيور عن النيل.
السؤال الآن: هل نقبل أن تضيع هذه الغابة التاريخية ونحن نرى بأعيننا ما يحدث؟
لنرفع أصواتنا، كلٌ من موقعه، قبل أن نصحو على فراغ مكانها.
غابة السنط تستغيث… ومسؤوليتنا جميعًا أن نجيب هذا النداء.
طلعت دفع الله عبد الماجد
ايكوسودان نت التنمية مستقبلنا