د.جلال محمد يس
في الثالث من مارس من كل عام، يحتفل العالم بـاليوم العالمي للحياة البرية، المناسبة التي أقرتها الأمم المتحدة عام 2013 إحياءً لذكرى توقيع اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض. ويهدف هذا اليوم إلى تذكير العالم بأن بقاء الإنسان مرتبط ارتباطاً مباشراً بصحة النظم البيئية التي يعيش في كنفها.
ويأتي احتفال عام 2026 في ظل تسارع غير مسبوق في معدلات انقراض الأنواع، بما يتجاوز المعدلات الطبيعية المسجلة في السجل الأحفوري، الأمر الذي ينذر بتداعيات بيئية واقتصادية وصحية عابرة للحدود.
الأنواع الأساسية… أعمدة التوازن البيئي
التنوع البيولوجي لا يعني فقط تعدد الكائنات الحية، بل يشمل العلاقات المعقدة التي تربط بينها. وبين هذه الكائنات، توجد ما يُعرف بـ”الأنواع الأساسية”، وهي التي تلعب دوراً محورياً في استقرار النظام البيئي. اختفاء أحد هذه الأنواع قد يطلق سلسلة من التغيرات المتتابعة تؤدي إلى انهيار بيئي واسع.
الذئاب… حراس التوازن الطبيعي
تشير التجارب البيئية إلى أن المفترسات العليا، كالذئاب، تتحكم في أعداد الحيوانات العاشبة وتوجه سلوكها. وعندما اختفت الذئاب من بعض البيئات، تضاعفت أعداد الفرائس، ما أدى إلى الرعي الجائر وتآكل التربة وتدهور المجاري المائية. لكن إعادة إدخالها أعادت التوازن عبر ما يُعرف بـ”السلسلة البيئية المتتالية”.
القنادس… مهندسو المياه
تلعب القنادس دوراً فريداً في إنشاء الأراضي الرطبة عبر بناء السدود الطبيعية، مما يساهم في تخزين المياه، وتقليل الفيضانات، وتحسين جودة المياه، وخلق موائل غنية بالتنوع الحيوي. غيابها يعني فقدان هذا “البنية التحتية الحية” التي تحمي الأنظمة المائية.
الأفيال… مهندسو الأرض
في البيئات الإفريقية، تعمل الأفيال على فتح الغابات الكثيفة، ونشر البذور، والحفاظ على التوازن بين الغابات والمراعي. تراجع أعدادها يغيّر شكل المشهد الطبيعي لعقود طويلة، ويؤثر في سلاسل غذائية كاملة.
الشعاب المرجانية… عماد الحياة البحرية
رغم مساحتها المحدودة، تدعم الشعاب المرجانية نسبة كبيرة من الحياة البحرية، وتحمي السواحل من العواصف، وتوفر مصدر رزق لملايين البشر. انهيارها بفعل التلوث وارتفاع درجات الحرارة يهدد الأمن الغذائي البحري والاستقرار الساحلي.
سلاسل الانقراض… تأثير الدومينو البيئي
عندما يختفي نوع أساسي، لا يتوقف الأثر عنده. بل تبدأ سلسلة من الانهيارات المتتابعة، حيث تتأثر الأنواع المعتمدة عليه، ثم الأنواع التي تعتمد على تلك الأنواع، في نمط يشبه تأثير أحجار الدومينو. هذا التراجع ينعكس على إنتاج الغذاء، واستقرار المناخ، وقدرة الأنظمة الطبيعية على مقاومة الكوارث.
السودان… نموذج حي لتأثير الانهيار البيئي والحرب
على مستوى السودان، يتجلى خطر انهيار المنظومات الطبيعية بصورة أكثر وضوحاً في ظل تداعيات الحرب والتدهور المؤسسي.
فقد تعرضت محميات ومناطق حيوية ذات قيمة بيئية عالية لأضرار جسيمة، من بينها:
محمية الدندر التي تُعد من أهم المحميات في أفريقيا، وتشكل موطناً لمئات الأنواع من الثدييات والطيور والزواحف.
محمية الردوم في جنوب دارفور، والتي تمثل نظاماً بيئياً متكاملاً يربط بين الغابات والسافانا.
محمية جبل الداير التي تُعد ملاذاً للتنوع الحيوي في إقليم كردفان.
غابة السنط بالخرطوم، والتي كانت تمثل رئة خضراء للعاصمة وحزاماً واقياً ضد التصحر.
الحرب أدت إلى تراجع الحماية، وانتشار الصيد غير المشروع، وقطع الأشجار، والتعديات على الأراضي، مما يهدد بفقدان أنواع أساسية قد يؤدي غيابها إلى اختلالات بيئية طويلة الأمد. كما أن تدمير الغطاء النباتي يسهم في تسارع التصحر، وتدهور التربة، وتراجع الإنتاج الزراعي والرعوي، وهو ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي وسبل العيش.
التجارة غير المشروعة… نزيف صامت
تظل التجارة غير القانونية في الحياة البرية من أبرز التهديدات، حيث تستهدف العاج، وقرون وحيد القرن، والنباتات النادرة، والأخشاب الثمينة. هذه التجارة لا تقتل الأنواع فقط، بل تضعف الاقتصادات المحلية، وتغذي الفساد، وتزيد من مخاطر الأمراض العابرة للحدود.
النباتات الطبية… صحة الإنسان في ميزان الطبيعة
كثير من الأدوية الحديثة مصدرها مركبات طبيعية من نباتات أو كائنات بحرية. كما يعتمد ملايين البشر على الطب التقليدي. فقدان هذه النباتات يعني فقدان فرص علاجية مستقبلية ومعرفة متوارثة عبر أجيال.
ما الذي يمكن فعله؟
حماية الحياة البرية مسؤولية جماعية، وتشمل:
دعم المحميات الطبيعية وإعادة تأهيلها
تبني سياسات إدارة مستدامة للموارد
مكافحة التجارة غير المشروعة
تعزيز التوعية البيئية
ربط جهود إعادة الإعمار في السودان بإعادة تأهيل النظم البيئية
رسالة 2026: إنقاذ نوع واحد قد ينقذ نظاماً كاملاً
يؤكد اليوم العالمي للحياة البرية 2026 أن فقدان نوع واحد فقط قد يقود إلى انهيار منظومة بيئية كاملة. وفي السودان، كما في بقية العالم، أصبح الحفاظ على التنوع البيولوجي ضرورة وطنية وإنسانية، لا ترفاً بيئياً.
فإنقاذ الطبيعة اليوم هو استثمار في استقرار الغد، وفي قدرة الإنسان على العيش بكرامة في وطن معافى بيئياً واقتصادياً.
ايكوسودان نت التنمية مستقبلنا