أخبار عاجلة
فلاحة الأرض عمل وقيمة نعيش عليها

كيف يخسر السودان مليارات الدولارات بسبب ضعف الإرشاد الزراعي؟

المرشد الزراعي بدرجة فقر ممتاز

د. محمد سعد علي بيومي
biyumi2000@yahoo.com

كيف يخسر السودان مليارات الدولارات بسبب ضعف الإرشاد الزراعي؟

في الدول التي تنظر إلى الزراعة باعتبارها قطاعاً استراتيجياً للأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية، يحتل الإرشاد الزراعي موقعاً محورياً في منظومة الإنتاج. فالمرشد الزراعي ليس مجرد موظف حكومي، بل هو وسيط معرفي يربط بين البحث العلمي والمزارعين، ويساعد على تحويل نتائج الدراسات والتجارب إلى ممارسات عملية في الحقول.
هذا الفهم يتوافق مع ما أشار إليه العالمان A.W. van den Ban وH.S. Hawkins في كتابهما المرجعي Agricultural Extension، حيث يعرّفان الإرشاد الزراعي بأنه عملية تعليمية تفاعلية تهدف إلى مساعدة المزارعين على اتخاذ قرارات أفضل اعتماداً على المعرفة والخبرة العلمية.
وبحسب هذا المنظور، فإن نجاح الإرشاد الزراعي لا يعتمد فقط على توفر التقانات الزراعية، بل يعتمد بدرجة كبيرة على وجود نظام مؤسسي قادر على نقل المعرفة إلى المنتجين بطريقة فعالة ومستدامة.
فجوة الإرشاد الزراعي في السودان
في السودان، ورغم الأهمية الكبيرة للقطاع الزراعي، لا يزال نظام الإرشاد الزراعي يواجه تحديات متعددة تتعلق بالموارد البشرية والإمكانات التشغيلية والبيئة المهنية للمرشدين الزراعيين. وتنعكس هذه التحديات على قدرة النظام الإرشادي في أداء دوره كاملاً في دعم المزارعين وتطوير الإنتاج الزراعي.
تشير الدراسات العلمية إلى أن خدمات الإرشاد الزراعي يمكن أن تسهم بصورة ملموسة في زيادة الإنتاجية الزراعية وتحسين دخل المزارعين. فقد بينت دراسات تطبيقية في عدة دول نامية أن وصول المزارعين إلى خدمات الإرشاد يؤدي إلى تحسين استخدام المدخلات الزراعية وتبني التقانات الحديثة، الأمر الذي ينعكس في زيادة الإنتاجية وتحسين الكفاءة الاقتصادية للعمليات الزراعية.
الإرشاد الزراعي وربط التقانات باقتصاديات الزراعة
الإرشاد الزراعي الحديث لا يقتصر على الجانب الفني للإنتاج، بل يمتد إلى مساعدة المزارعين في تحليل تكاليف العمليات الزراعية وتقدير العوائد الاقتصادية لكل قرار زراعي. فالكثير من التقانات الزراعية لا تُقاس قيمتها فقط بزيادة الإنتاجية، وإنما بقدرتها على تحسين ربحية المزرعة واستدامة الموارد.
ومن المبادئ التي أكد عليها Van den Ban أن الإرشاد الفعال يعتمد على:
تحليل تكاليف الإنتاج والعائد لكل بديل تقني
مقارنة البدائل التقنية والاقتصادية للمحاصيل
اختيار الممارسات الزراعية الأكثر ربحية
توجيه المزارعين نحو التركيب المحصولي الأمثل
وهكذا يتحول دور المرشد الزراعي إلى أداة عملية لتعزيز اقتصاديات المزرعة وربط المعرفة العلمية بالقرار الاقتصادي، مما يعزز من قدرة المزارع على اتخاذ قرارات أكثر كفاءة واستدامة.
المقارنة الدولية وكثافة الإرشاد
تشير المقارنات الدولية إلى أن كثافة الخدمات الإرشادية تمثل أحد مؤشرات كفاءة النظام الإرشادي:
مرشد لكل 400 مزارع في هولندا
مرشد لكل 700 مزارع في تركيا
مرشد لكل 1200 مزارع في المغرب
مرشد لكل 800 مزارع تقريباً في إثيوبيا
في السودان، تشير التقديرات إلى أن المعدل قد يصل إلى مرشد واحد لكل 4000 إلى 7000 مزارع، وهو ضغط كبير على النظام الإرشادي ويحد من قدرته على الوصول الفعلي للمزارعين.
الخسارة الاقتصادية بسبب ضعف الإرشاد
يمثل القطاع الزراعي أحد أهم القطاعات الاقتصادية في السودان، حيث تتراوح القيمة السنوية للإنتاج الزراعي بين 20 و25 مليار دولار. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الإرشاد الفعال يمكن أن يزيد الإنتاجية بنسبة 10% إلى 15%، فإن ضعف الإرشاد يعني فقدان ما بين 2 إلى 3 مليارات دولار سنوياً، ناهيك عن الأثر السلبي على كفاءة استخدام الموارد الزراعية، إدارة المخاطر، واستدامة الدخل الريفي.
الدرس من البرازيل: كيف صنع الإرشاد ثورة زراعية
في سبعينيات القرن الماضي كانت البرازيل تعاني من إنتاجية منخفضة، لكن الحكومة تبنت استراتيجية شاملة ربطت البحث العلمي بالإرشاد ونقل التقانة للمزارعين، من خلال مؤسسات مثل Embrapa. النتيجة كانت تحول مساحات واسعة من الأراضي غير المنتجة إلى مناطق إنتاجية كبيرة، ما جعل البرازيل من أكبر الدول المصدرة للغذاء عالمياً. هذه التجربة تؤكد أن الاستثمار في الإرشاد ونقل المعرفة الاقتصادية والفنية للمزارعين هو أساس التنمية الزراعية.
الاستثمار في الإرشاد الزراعي: عائد اقتصادي مرتفع
تشير تقارير البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة إلى أن كل دولار يُستثمر في الإرشاد الزراعي يمكن أن يحقق عائداً يتراوح بين 6 و10 دولارات، من خلال تحسين الإنتاجية، الدخل، وكفاءة استخدام الموارد. وهذا يجعل الإرشاد الزراعي استثماراً استراتيجياً وليس مجرد تكلفة.
الخلاصة
إن تطوير الإرشاد الزراعي في السودان يجب أن يشمل المعرفة التقنية والاقتصاد الزراعي معاً. فالمعرفة وحدها لا تكفي إذا لم ترتبط بتحليل التكاليف والعوائد، والقرارات الاقتصادية العملية لكل مزارع. ويعد تحسين وضع المرشدين، بناء نظام مؤسسي متكامل، وتطبيق التقنيات الرقمية، وإدماج التحليل الاقتصادي في الإرشاد، الخطوات الأساسية لتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق التنمية الريفية المستدامة.

عن المحرر العام

موقع ايكوسودان نت موسسة السموءل حسن بشري بدوي موقع لخدمة الإعلام التنموي والاقتصاد الرقمي

شاهد أيضاً

نعي ورثاء الدكتور صديق عيسى إدريس

باسم أهالي نفير أرض الشفاء بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، ينعى أهالي نفير أرض الشفاء …

error: Content is protected !!
البيئة بيتنا