د. محمد سعد علي بيومي
لم تعد الحرب في الشرق الأوسط حدثًا بعيدًا عن الاقتصاد السوداني. فوفقًا لتحليلات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، بدأت آثار الصراع تظهر بوضوح في ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
هذه الزيادة في التكاليف لا تقف عند حدود الأسواق العالمية، بل تنتقل مباشرة إلى الحقول الزراعية، ثم إلى موائد المواطنين، وأخيرًا إلى المؤشرات الكلية للاقتصاد—وفي مقدمتها الميزان التجاري.
في السودان، تتخذ هذه الأزمة بُعدًا أكثر خطورة. فالقطاع الزراعي، الذي يُفترض أن يكون مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي، يواجه اليوم ضغوطًا غير مسبوقة. ارتفاع أسعار الأسمدة—التي يعتمد السودان على استيراد نسبة كبيرة منها—يعني ببساطة أن تكلفة الإنتاج ترتفع، وأن المزارع سيضطر لتقليل استخدام المدخلات أو تقليص المساحات المزروعة. النتيجة المتوقعة معروفة: إنتاج أقل، وجودة أقل، وصادرات أقل.
في المقابل، لا تتوقف فاتورة الواردات عن الارتفاع. الوقود، القمح، والمدخلات الزراعية جميعها تتأثر بالأسعار العالمية. وهنا تتشكل المعادلة الخطرة: تراجع في الصادرات يقابله ارتفاع في الواردات، وهو ما يؤدي مباشرة إلى اتساع العجز في الميزان التجاري.
تشير تحليلات البنك الدولي إلى أن ارتفاع تكاليف المدخلات في الدول منخفضة الدخل غالبًا ما يؤدي إلى فقدان القدرة التنافسية للصادرات الزراعية، وهو ما يبدو جليًا في الحالة السودانية. فبدل أن يكون القطاع الزراعي مصدر قوة، يتحول تدريجيًا إلى نقطة ضعف تحت ضغط التكاليف.
الأثر لا يتوقف عند هذا الحد. تراجع الصادرات يعني انخفاض تدفقات النقد الأجنبي، ما يضغط على سعر الصرف، ويغذي التضخم، خاصة في أسعار الغذاء. ومع احتمالات تراجع تحويلات المغتربين في حال تأثر اقتصادات الخليج، تزداد الصورة تعقيدًا. إنها حلقة متكاملة من الضغوط الاقتصادية، تبدأ من الحقول ولا تنتهي عند الأسواق.
المشكلة هنا ليست ظرفية فقط، بل هيكلية. فالسودان، رغم إمكاناته الزراعية الكبيرة، لا يزال يعتمد بشكل كبير على الخارج في مدخلات الإنتاج، ويصدر معظم منتجاته في شكل خام دون قيمة مضافة. وهذا ما يجعل أي صدمة خارجية—مثل ارتفاع أسعار الأسمدة—تتحول سريعًا إلى أزمة داخلية.
هذه اللحظة تستدعي وقفة صريحة. ليس بهدف التشخيص فقط، بل لإعادة التفكير في المسار.
هل يمكن لقطاع زراعي يعتمد على استيراد مدخلاته أن يحقق استقرارًا في الميزان التجاري؟
وهل يمكن الحديث عن أمن غذائي دون معالجة جذور الاختلال في الإنتاج والتصدير؟
الواقع يقول إن الاستمرار في نفس النهج سيؤدي إلى تعميق الأزمة. أما التحرك المبكر، فيمكن أن يحول هذه الصدمة إلى نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي—إصلاح يعيد للزراعة دورها كقاطرة للاقتصاد، لا عبئًا عليه.
الخلاصة واضحة:
ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتفاع في أسعار الأسمدة، بل إنذار مبكر لاختلال أعمق في الاقتصاد.
وإذا لم يُؤخذ هذا الإنذار بجدية، فقد يجد السودان نفسه أمام موسم زراعي أضعف، وصادرات أقل، وعجز تجاري أكبر.
إنها لحظة تستدعي قرارات جريئة… قبل أن تتحول المؤشرات إلى واقع يصعب تداركه.
ايكوسودان نت التنمية مستقبلنا