أخبار عاجلة

بين حديث الزئبق وصمت المسؤولين … كارثة بيئية

غراس الروح
🖋️: الشفيع أحمد عبد الرحيم
كثر اللغط في الآونة الأخيرة عمّا يدور في ملف تلوث البيئة في ولاية نهر النيل، وبالأخص ما يتعلق بالتنقيب عن معدن الذهب، وهذه محمدة نحمد الله عليها، أن يُفتح هذا الباب على مصراعيه، شاء من شاء وأبى من أبى.
ومن باب الأمانة العلمية، فقد تحدثنا في هذا الملف مراراً وتكراراً، وطرقنا شتى السبل حتى (نقرع الواقفات) أولاً ثم نلحق (بالجفلن)، ففي مثل هذه القضايا المتعلقة بالتلوث البيئي، لا بد من الذهاب بعيداً لمعالجة جذور المشكلة وما لحق بالبيئة من تدهور.
تمسكتُ بالآية الكريمة من سورة الروم (آية 41):
(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)
وذلك منذ دراستي الجامعية بقسم دراسات البيئة والموارد الطبيعية، حيث زيّنت بها بحث تخرجي الذي تناول تلوث رسوبيات البحر الأحمر بالمبيدات نتيجة حركة الاستيراد والتصدير، والذي وجد مكانته، ونُفذت توصياته، وكان أبرزها تشييد مستشفى مخصص لعمال الموانئ، وقد تحقق ذلك والحمد لله.
وذلك لقناعتي بأن تلوث البيئة ما كان له أن يكون لولا أنشطة البشر التي (أدت) إلى حضارتهم، و(أودت) بالبيئة إلى الحضيض، و(وأدت) الأمل في أن يعيش العالم في عدالة بيئية مستدامة. ولا يساورنا شك في أن ما حدث في ولايتنا – ونخص بالذكر شمالها – ما كان ليحدث لولا أيدي الناس، بأيديهم التي تسكب، ومعاولهم التي تهدم، وأقلامهم التي تسنّ، وتقرر، وتشرع، وكذا الأعين التي تغض الطرف عن رؤية الخطأ فتقومه.
عندما قدم الفريق البحثي العلمي – المحترم شكلاً ومضموناً – عرضه بقاعة جرش في مارس 2022، وطرح نتائج دراسته التي أُجريت بوحدة جنوب بربر، اندهش الحضور لما سمعوه من أرقام تؤكد وصول عنصر الزئبق إلى أجسامنا. فقد شمل الكشف أوساطاً مختلفة: شعر الإنسان، وصوف البهائم، والمحاصيل الزراعية، واللبن، ودم الإنسان وبوله، فوجد الزئبق في بعضها بتراكيز تفوق الحد المسموح به وفق معايير منظمة الصحة العالمية.
وما أدهش الباحثين أكثر هو العثور عليه في قيعان (الأزيار) وأحواض المكيفات. ولم تكن دهشة الحاضرين – ومعظمهم من شريحة المعدنين – من حجم الأرقام فحسب، بل من ارتباطها بالأمراض والأعراض المصاحبة لها. ذلك لأنهم يجمعون ما يُعرف بـ(الكرتة) – وهي مخلفات عمليات التعدين الأولية – وينقلونها إلى المناطق الحضرية، وهي بلا شك تحمل بين ذراتها المواد الكيميائية المستخدمة مثل السيانيد والثيوريا، وعلى رأسها الزئبق.
الزئبق الذي يتباهى البعض بأنه عنصر آمن! أذكر أنه قبل نحو شهر، وأثناء مأمورية رسمية إلى محلية أبو حمد – التي تضج هي الأخرى بهذا النشاط – استوقفني أحدهم في سوق أبو حمد، أعرفه حق المعرفة. غسل يديه وصافحني، فسألته: لم تركت بلدك وجئت إلى هنا؟ فقال: أعمل في معالجة الذهب بالزئبق. سألته إن كان يحمل زئبقاً، فأجاب بنعم، وأخرج قارورة، وسكب منها على يده مادة بدت كالماء ممزوجة بالزئبق دون أن تمتزج به. وحين نبهته إلى خطورة ما يفعل، تبسم، وعرك ما بيده ليؤكد لي – من وجهة نظره – أنه آمن!
والزئبق – لمن لا يعلم – فلز ثقيل سام، صنفته منظمة الصحة العالمية ضمن أخطر عشرة مواد كيميائية على صحة الإنسان. يتميز بطبيعته السائلة ولونه الفضي اللامع، وعالي الكثافة، وسريع التبخر خاصة في الأماكن المغلقة، وما إن يدخل جسم الإنسان حتى يؤثر على الجهاز العصبي والهضمي وسائر أجهزة الجسم.
وفي مدينة ميناماتا اليابانية، أدى استخدام الزئبق في الأنشطة الصناعية إلى كارثة صحية وبيئية، حيث أُلقيت المخلفات في البحر، فانتقلت السموم عبر الأسماك إلى الإنسان، وظهرت ما عُرف لاحقاً بـ(متلازمة ميناماتا) minamata syndrome . وقد نتج عن ذلك توقيع اتفاقية “ميناماتا” minamata convention mercury بشأن الزئبق، والتي تهدف إلى حماية صحة الإنسان والبيئة، ووقعت عليها أكثر من 140 دولة، من بينها السودان، بعد مفاوضات استمرت ثلاث سنوات.
ومن ضمن توصيات الورشة التي عُقدت، حصر هذه الأكوام من المخلفات، وإنذار أصحابها بترحيلها أو مواجهة العقوبات القانونية، إضافة إلى تنفيذ حملات توعوية تجوب المناطق المتضررة. وقد تم ترشيحي – من عدد من الزملاء بالمجلس الأعلى لحماية البيئة والجمعية السودانية لحماية البيئة الشركة السودانية للتعدين – للمشاركة في هذه الحملات، وبفضل الله أنجزنا ما كُلفنا به، ونظمنا ثلاث ندوات بقطاع جنوب بربر، استهدفت إحداها شريحة المعدنين.
وقد أبدى د. صالح علي صالح – وهو اختصاصي كيمياء – حماساً كبيراً، وقال على الملأ: (قد نذرت نفسي وكل ما أملك لهذا الملف الخطير). وفي اتصال لاحق، أخبرني بعزمهم المشاركة في مؤتمر خارجي، فسألني عن مقترحي، فقلت: نريد مستشفى متخصصاً لمتلازمة ميناماتا في جنوب بربر، فأجاب بأن هذا هو مقترحه أيضاً، وسيقدمه للمانحين.
لا أشك أن من يتصدى لمثل هذه القضايا سيتعرض للتشويه. فقد تعرضنا لذلك مراراً؛ ففي إحدى الفعاليات، وأثناء تقديم مشهد درامي توعوي بحضور وزير الشباب والرياضة، قام أحدهم بانتزاع الميكروفون والتشويش على الرسالة. وفي موقف آخر، اتُّهمت صراحة بأنني “مأجور”، في محاولة للنيل من موقفي. كما تم التحريض ضدنا في إحدى الندوات، مما كاد أن يؤدي إلى فتنة، لولا تدخلنا وانسحابنا حفاظاً على الأرواح.
إن إعادة فتح هذا الملف اليوم، مع استضافة الولاية لعدد من الإعلاميين وأصحاب الأقلام والعدسات، يمثل فرصة حقيقية لتحريك هذا الملف الراكد. ونأمل أن ينجحوا فيما لم ننجح فيه، رغم أننا طرقنا الأبواب كافة، وحذرنا مراراً من صمت يسبق عاصفة غضب بيئي.
فهل من مستجيب؟
أم أن زامر الحي لا يُطرب؟!

عن المحرر العام

موقع ايكوسودان نت موسسة السموءل حسن بشري بدوي موقع لخدمة الإعلام التنموي والاقتصاد الرقمي

شاهد أيضاً

البلد كدست

: الشفيع أحمد عبد الرحيم بالأمس، وأنا قادم من زواج أبناء خالنا عبد الله كرار …

error: Content is protected !!
البيئة بيتنا