أخبار عاجلة

البلد كدست

: الشفيع أحمد عبد الرحيم

بالأمس، وأنا قادم من زواج أبناء خالنا عبد الله كرار بمدينة #الدامر، ومعي صديقي سموءل، تفاجأت بازدحام المواطنين في مواقف #المواصلات، وانعدام شبه تام لها. ظللنا في حالة تنقّل مستمر من موقف #السعدابية إلى موقف #خليوة، ومنه إلى موقف #كنور، ثم نعيد الكرّة مرة أخرى، إلى أن استقر بنا الحال بموقف #بربر السعدابية.
فقررنا أن نركب #مواصلات بربر، رغم سعر تذكرتها المرتفع، الذي يصل إلى أربعة آلاف جنيه، وذلك بعد الزيادات الأخيرة. ذهبنا، فسمعنا صوت #الكمساري يصيح بأعلى صوته: (بربر على عشرة ألف! بربر على عشرة ألف!). فرجعنا مسرعين بالحركة العسكرية (للخلف دُر)، التي تدربنا عليها إبان أداء ضريبة #الخدمة_الوطنية.
ظللنـا واقفين بموقف السعدابية حتى فرّج الله علينا بسائق #حافلة (ود حلال)، أوقف السيارة، وصاح مساعده: (السعدابية على أربعة ألف)، وكانت قبل الزيادات الأخيرة قد وصلت إلى ألفين وخمسمائة جنيه.
ركبنا واستلمنا مقاعدنا، وصعد الكمساري وطقطق أصابعه، ثم انفجر صياحاً ونبيحاً، وأصدر قراره: (نحن قلنا التذكرة أربعة ألف، والما عاجبه ينزل!). وهنا ضجّ #المكان بالصياح، وأكد @الجميع أن التذكرة بألفين ونصف، وأن أي زيادة تُعد مخالفة واضحة.
أوقف السائق المحرك ونزل مهدداً بعدم التحرك إلا بعد التزامنا بقرارهم. وفي هذه اللحظات، توقفت #سيارة أخرى، وتهافت الناس عليها، وصاح مناديها أن الراكب بخمسة آلاف جنيه.
ما إن سمعنا هذا #النداء حتى كوّنا #لجنة وساطة، كان #الصوت البارز فيها صوت #النساء، فصاحت إحداهن قائلة: (يا جماعة، نحن #نسوان وشايلين #أطفال، والساعة ثمانية #مسا، أدوهو تلاتة ونص وخلونا نمرق).
فصمت @الجميع، دليلاً على #المباركة، وعلى وجوههم علامات #الرضا #القسري.
صعد السائق، وأدار محرك السيارة، وطقطق الكمساري، وانتهى مشهد #الأمس.
:
صباح #اليوم #الأحد، تكرر #المشهد،
عندما حملت حقيبة #اللابتوب التي اعتادت مرافقتي إلى #المكتب ذهاباً وإياباً، وانطلقت متوجهاً إلى بربر، مقر عملي. فظللت واقفاً لمدة طويلة
(يدٌ تؤشر، وأخرى تحمل الجهاز)،
حتى دقّ #ناقوس الفطور،
وجاعت البطون،
وتزغللت العيون،
وصرت أرى الناس مثنى وثلاث ورباع.
وبينما أنا على هذا الحال، انتابتني حالة شرود، وسرى بي خيال من #الماضي القريب، فتذكرت موقف الأمس، وأتاني صوت الكمساري: (بربر على عشرة ألف!).
لكن قبل أن أغرق في #بحر خيالي، وجدت نفسي أعبر الطريق متجهاً إلى المنزل، تاركاً خلفي آثار حذائي، وقد غطّت مساحة كبيرة بزحفٍ يمنة ويسرة.
:
كان يقف بقربي #شاب ملّ هو الآخر من الوقوف، ومن التأشير والتلويح لأصحاب #المركبات الخاصة، الذين لا يكلفون أنفسهم عناء النظر إليه، ناهيك عن الوقوف له. لذا لا تجدني يوماً أكلف نفسي عناء رفع إحدى يدي لأحد منهم، وفيما يبدو أن #الظهر الذي أوصى رسول_الله_صلى_الله_عليه وسلم بفضله قد أصيب بغضروف وأصبح لا يحتمل الحمل عليه!!!
سألني الشاب: (مالك قنعت؟)
فأجبته: (أيوه… البلد دي شكلها كدست).
فتحركت ولكن قد عادت إلى مخيلتي هذه الكلمة مجدداً فتذكرت يوماً كنا قد ذهبنا بعزيزٍ لنا إلى مستشفى الحوادث، وكان في حالة انهيار تام، وكان #الطاقم #الطبي يباشر عمله بحركة دؤوبة؛ #الطبيب يجري بنفسه ليحضر #حقنة، و #الممرض يزيد من وتيرة حركته لإنقاذ المريض.
سألنا أحد الممرضين: (الحاصل شنو؟)
فأجابنا: (الزول دا مكدس) ثم واصل ركضه.
وما هي إلا دقائق حتى وقف الطبيب، وغطّى وجه المريض، ثم اتجه إلينا، ورفع يديه قائلاً: (الفاتحة).
في لحظة #مظلمة تهربنا من قدومها، فأتتنا بغتة كالصاعقة، ليختفي عزيزنا إلى #الأبد، تاركاً ذكراه #العطرة إرثاً من الخلق النبيل، والصبر على #المرض، و #ابتسامة الرضا.
ظلت هذه الكلمة ترافقني ليل نهار: ماذا يقصدون بقولهم “مكدس”؟!
إلى أن قابلت أحد أصدقائي الأطباء، فسألته عنها، فأجابني بأنها مصطلح متحوّر من كلمة ( Catastrophe# )، أي #كارثة؛ فعندما يدخل المريض في حالة انهيار تام للوظائف وتوقف للأعضاء، يكون قد وصل إلى مرحلة #كارثية ( Catastrophic# )، فنقول: “المريض كدس” أو “مكدس”، حتى لا يشعر أهله بالقلق، وهي مرحلة تسبق #إعلان #الوفاة.
حضرني هذا المصطلح وأنا أعبر الطريق، أجرجر أرجلي نحو منزلي لأباشر عملي منه، وذلك بعد أن يعود #التيار #الكهربائي هو الآخر.
والآن، وأنا راجع إلى منزلي، سألت نفسي—وأوجه السؤال لعلي أجد جواباً:
هي البلد دي كدست ولا شنو؟
:
#غراس_الروح #جيش_واحد_شعب_واحد #البلد_كدست

عن المحرر العام

موقع ايكوسودان نت موسسة السموءل حسن بشري بدوي موقع لخدمة الإعلام التنموي والاقتصاد الرقمي

شاهد أيضاً

نعي ورثاء الدكتور صديق عيسى إدريس

باسم أهالي نفير أرض الشفاء بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، ينعى أهالي نفير أرض الشفاء …

error: Content is protected !!
البيئة بيتنا