في وقت أصبحت فيه التغطية الصحفية في السودان محفوفة بالمخاطر، تبرز الصحفية السودانية المستقلة زينب محمد صالح (Zeinab Mohammed Salih) بوصفها واحدة من الأصوات الصحفية التي اختارت البقاء بالقرب من الأحداث، ونقل معاناة المدنيين، وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.
وجاء فوزها بجائزة «نايت» الدولية للصحافة لعام 2026، التي يمنحها المركز الدولي للصحفيين (ICFJ)، تقديراً لمسيرتها المهنية وجهودها في التغطية الميدانية للحرب السودانية، وتسليط الضوء على المجازر والعنف الجنسي والمجاعة والأوضاع الإنسانية في المناطق المتأثرة بالنزاع.
من الخرطوم إلى الصحافة العالمية
وُلدت زينب محمد صالح في الخرطوم، وبدأت مسيرتها المهنية في مجال الصحافة المستقلة، مركزةً على القضايا السياسية وحقوق الإنسان والتحولات الاجتماعية وقضايا النوع الاجتماعي في السودان والدول المجاورة.
وعلى مدى أكثر من 15 عاماً، وسّعت نطاق تغطيتها لتشمل السودان وجنوب السودان وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا وإثيوبيا، إلى جانب مناطق أخرى في شرق ووسط أفريقيا، لتصبح شاهدة على التحولات السياسية والنزاعات المسلحة والتحديات الإنسانية التي تواجه شعوب المنطقة.
وتنتمي زينب إلى جيل من الصحفيين السودانيين الذين سعوا إلى تجاوز الحدود المحلية، ونقل الأحداث إلى الجمهور العالمي عبر تقارير ميدانية تتناول حياة الناس وتفاصيل معاناتهم، بعيداً عن الاكتفاء بالروايات السياسية والعسكرية.
تأهيل أكاديمي وتجربة دولية
عززت زينب خبرتها المهنية بدراسة السياسة الدولية في جامعة سيتي بلندن، والصحافة الدولية في جامعة كارديف بالمملكة المتحدة، وهما تجربتان أكاديميتان أسهمتا في تطوير فهمها للعلاقات الدولية وأساليب التغطية الصحفية للقضايا المعقدة.
وفي عام 2009، انضمت إلى مشروع «النيلين»، وهو مشروع صحفي عابر للحدود نُشر باللغتين العربية والإنجليزية، وشارك فيه صحفيون شباب من شمال السودان وجنوبه لتغطية القضايا السياسية والثقافية، خصوصاً في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية السودانية عام 2010 واستفتاء تقرير مصير جنوب السودان عام 2011.
كما عملت عام 2017 صحفيةً في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، في تجربة أضافت إلى مسيرتها المهنية بعداً دولياً، ومكّنتها من الاقتراب من الملفات الدبلوماسية والقضايا ذات الاهتمام العالمي.
«الغارديان» و«بي بي سي».. صوت السودان إلى العالم
نشرت زينب محمد صالح تقارير ومقالات في مؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها صحيفة «الغارديان» البريطانية، وصحيفة «فاينانشال تايمز»، وهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وصحيفة «نيويورك تايمز»، وصحيفة «الإندبندنت»، وشبكة «الجزيرة».
وتناولت أعمالها قضايا متعددة، شملت الثورة السودانية، والحراك المطالب بالحكم المدني والديمقراطية، وانتهاكات القوات العسكرية والأمنية، ودور النساء في التغيير السياسي والاجتماعي.
كما سلطت الضوء على العنف الجنسي، وغياب العدالة للضحايا، والانتهاكات المستمرة في دارفور، فضلاً عن قضايا العنصرية وتمجيد شخصيات ارتبطت تاريخياً بتجارة الرقيق في السودان.
ومن بين القضايا التي تناولتها أيضاً، استخدام النساء السودانيات منصات التواصل الاجتماعي لتبادل المعلومات بشأن الاعتداءات الجنسية والمساعدة في كشف هوية المتهمين، في ظل التحديات التي تواجه الضحايا في الوصول إلى العدالة.
وتعكس هذه التغطيات اهتماماً صحفياً يتجاوز رصد الأحداث إلى مساءلة الواقع الاجتماعي والسياسي، وإبراز أصوات الفئات الأكثر عرضة للعنف والتهميش.
الحرب السودانية.. صحافة من قلب الخطر
مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، واجه الصحفيون تحديات غير مسبوقة في الوصول إلى مناطق النزاع، والتحقق من المعلومات، ونقل الوقائع وسط تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية.
وفي هذه البيئة المعقدة، واصلت زينب محمد صالح عملها الصحفي، مركزةً على توثيق آثار الحرب على المدنيين، وما خلفته من قتل ونزوح وجوع وعنف جنسي، إلى جانب متابعة التطورات السياسية والعسكرية وانعكاساتها على مستقبل البلاد.
وفي مذكرات نشرتها صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية خلال الحرب، تناولت تجربتها في تغطية السودان خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، ومرحلة الانتقال السياسي التي أعقبت سقوطه، وصولاً إلى الصراع المسلح الذي اندلع عام 2023.
وتطرقت إلى أسباب تمسكها وعائلتها بالبقاء في البلاد رغم المخاطر، واستمرارها في نقل الأحداث من الميدان في ظروف قد تهدد حياتها.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من طبيعة الصحافة المستقلة في مناطق النزاع، حيث يواجه المراسلون تحديات تتعلق بالسلامة الشخصية، وصعوبة الحركة، ومحدودية الموارد، والحاجة المستمرة إلى التحقق من المعلومات في بيئة تتضارب فيها الروايات.
جائزة نايت الدولية للصحافة 2026
يمثل فوز زينب محمد صالح بجائزة «نايت» الدولية للصحافة لعام 2026 محطة بارزة في مسيرتها المهنية، وتقديراً لجهودها في تغطية الأزمات الإنسانية والصراعات المسلحة.
وأعلن المركز الدولي للصحفيين فوزها بالجائزة إلى جانب الصحفي الكوبي المنفي خوسيه ج. نييفيس، رئيس تحرير الموقع الإخباري «إل توكي»، تقديراً لعملهما في بيئات شديدة الخطورة على الصحفيين.
ومن المقرر تكريم الفائزين في حفل جوائز المركز يوم 10 نوفمبر 2026 في العاصمة الأميركية واشنطن.
وبحسب ما ورد في إعلان الجائزة، حظيت تغطيات زينب بتقدير خاص بسبب وصولها إلى مناطق يصعب على الصحفيين العمل فيها، وتسليطها الضوء على الكوارث الإنسانية التي لا تحظى دائماً بالاهتمام الدولي الكافي.
كما أشار أنطون ترويانوفسكي، عضو لجنة التحكيم ومراسل الشؤون العالمية في صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى شجاعتها وتفانيها في التغطية الميدانية، ولا سيما أنها تعمل صحفية مستقلة من دون الإمكانات المؤسسية التي تتوافر عادةً لمراسلي المؤسسات الإعلامية الكبرى.
وتبرز الجائزة قيمة الصحافة الميدانية المستقلة في أوقات الحرب، ودورها في نقل الوقائع من المناطق المتضررة إلى الرأي العام العالمي.
زمالات دولية ومسيرة من أجل الحقيقة
لم تقتصر مسيرة زينب على العمل الميداني والنشر الصحفي، بل امتدت إلى المشاركة في برامج مهنية وأكاديمية دولية.
ففي عامي 2024 و2025، حصلت على زمالة زائرة للصحفيين العرب في مركز ويلسون بواشنطن، كما نالت زمالة تحقيقات الغابات المطيرة لعام 2025 من مركز بوليتزر، بما يعكس اهتمام المؤسسات الدولية بخبرتها الصحفية وقدرتها على معالجة القضايا المعقدة.
وإلى جانب تغطية السودان، تناولت أعمالها التطورات السياسية والحقوقية في جنوب السودان ومصر وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا وإثيوبيا، مع اهتمام خاص بتأثير النزاعات والتدخلات الإقليمية والدولية على المجتمعات المحلية.
كما ورد اسمها في كتاب «الرواد والمتمردون وبعض الأشرار»، الصادر عام 2019، والذي يتناول تاريخ الصحافة في شرق أفريقيا خلال 150 عاماً، حيث وُصفت بأنها مراسلة مستقلة لا تعرف الكلل في تغطية الثورة السودانية وما بعدها.
زينب محمد صالح.. حين تصبح الصحافة شهادة على التاريخ
تقدم تجربة زينب محمد صالح نموذجاً للصحفي الذي يعمل في ظروف استثنائية، محاولاً توثيق الأحداث من داخل المجتمعات المتأثرة بالحرب، ونقل القصص التي قد تغيب عن التغطيات الإخبارية اليومية.
ففي السودان، حيث تتشابك الحرب مع الأزمات الإنسانية والانقسامات السياسية والاجتماعية، تبرز أهمية الصحافة المستقلة في توثيق الانتهاكات، وإبقاء معاناة المدنيين حاضرة في النقاش الدولي، وتوفير روايات تستند إلى العمل الميداني والتحقق من المعلومات.
ولا يمثل فوزها بجائزة نايت الدولية للصحافة لعام 2026 تقديراً لمسيرتها الفردية فحسب، بل يسلط الضوء أيضاً على التحديات التي يواجهها الصحفيون السودانيون، وعلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الصحافة في حماية الذاكرة العامة وتوثيق التحولات التاريخية.
إنها تجربة صحفية سودانية تعكس إصراراً على نقل الحقيقة من قلب الأحداث، في وقت يحتاج فيه السودان إلى أصوات مهنية مستقلة توثق ما يجري، وتمنح الضحايا مساحة لسرد قصصهم، وتبقي معاناة الإنسان في صدارة المشهد.
: